فخر الدين الرازي
20
تفسير الرازي
سورة التغابن ثمان عشرة آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) * . وجه التعلق بما قبلها ظاهر لما أن تلك السورة للمنافقين الكاذبين وهذه السورة للمنافقين الصادقين ، وأيضاً تلك السورة مشتملة على بطالة أهل النفاق سراً وعلانية ، وهذه السورة على ما هو التهديد البالغ لهم ، وهو قوله تعالى : * ( يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور ) * وأما الأول بالآخر فلأن في آخر تلك السورة التنبيه على الذكر والشكر كما مر ، وفي أول هذه إشارة إلى أنهم إن أعرضوا عن الذكر والشكر ، قلنا : من الخلق قوم يواظبون على الذكر والشكر دائماً ، وهم الذين يسبحون ، كما قال تعالى : * ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض ) * ، وقوله تعالى : * ( له الملك وله الحمد ) * معناه إذا سبح لله ما في السماوات وما في الأرض فله الملك وله الحمد ، ولما كان له الملك فهو متصرف في ملكه والتصرف مفتقر إلى القدرة فقال : * ( والله على كل شيء قدير ) * وقال في " الكشاف " : قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله تعالى وذلك لأن الملك في الحقيقة له لأنه مبدئ لكل شيء ومبدعه والقائم به والمهيمن عليه ، كذلك الحمد فإن أصول النعم وفروعها منه ، وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء ، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده ، وقوله تعالى : * ( وهو على كل شيء قدير ) * قيل : معناه وهو على كل شيء أراده قدير ، وقيل : قدير يفعل ما يشاء بقدر ما يشاء لا يزيد عليه ولا ينقص . وقد مر ذلك ، وفي الآية مباحث : الأول : أنه تعالى قال في الحديد : * ( سبح ) * ( الحديد : ) والحشر والصف كذلك ، وفي الجمعة والتغابن * ( يسبح لله ) * فما الحكمة فيه ؟ نقول : الجواب عنه قد تقدم . البحث الثاني : قال في موضع : * ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ) * ( الحشر : 1 ) وفي موضع